Sunday, October 28, 2007

الحاكم المستورد والحاكم المحلي - الجزء الثاني

كنا قد تحدثنا في الجزء الاول عن الحاكم المستورد محمد علي باشا ورأينا كيف عينه المصريون بقيادة زعماء الازهر (الشيخ الشرقاوي شيخ الازهر و السيد عمر مكرم نقيب الاشراف) ومن المعروف انه تولي الحكم منذ عام 1805 م وتوارث ابنائه العرش حتي قيام ثورة يوليو 1952م.

وفي صباح 23 يوليو 1952 انتقل حكم مصر الي الحكام المحليين فقد انتقلت مقاليد الحكم من الملك فاروق الاول اخر سلالة محمد علي الي اللواء اركان حرب محمد نجيب وفي عام 1954 انتقلت الي البكباشي اركان حرب جمال عبد الناصر ليخلفه عام 1970 نائبه السادات والذي عين اللواء طيار محمد حسني مبارك نائبا له عام 1974 ليخلفه كرئيسا للجمهورية عام 1981 بعد اغتياله بحادثة المنصة الشهيرة.

والهدف الاساسي لهذا الطرح التاريخي هو ان نضع ايدينا علي احوال الانسان المصري مع الحاكم المستورد واوضاعه بالتبعية في عهد الحاكم المحلي ولنبدأ المقارنة.

اولاً .. اسلوب اختيار الحاكم
في حالة الحاكم المستورد محمد علي باشا الالباني الاصل انتخبه شيخ الازهر انذآك والسيد عمر مكرم نقيب الاشراف ومن ورائهم جموع الشعب واليا علي مصر ليس لشخصه رغم تصنعه للتعفف في اكثر الاوقات وزهده لهذا الكرسي، بالطبع لم ينتخبه المصريين وهم في وضع الاسترخاء او وضع نفسي يؤهلهم لانتخاب حاكمهم، بل املا في ان يخلصهم من ظلم الدولة العثمانية وولاتها الذين يفرضون كل انواع الضرائب وينكلون بالفلاحين اشد التنكيل.

اما في حالة الحكام المحليين فقد استيقظ الشعب المصر في صباح الثالث والعشرين من يوليو 1952 علي بيان حركة الجيش واللواء اركان حرب محمد نجيب يعتلي مجلس قيادة تلك الحركة، وبتشجيع الشعب وتاييده لتلك الحركة اصبحت ثورة شعبية وبالتالي لم يكن للشعب حرية اختيار حاكمه، وبانقلاب داخلي داخل مجلس قيادة الثورة تم تنحية اللواء محمد نجيب ليحل البكباشي اركان حرب جمال عبد الناصر رئيسا للمجلس ورئيسا لمجلس الوزراء ثم رئيسا للجمهورية باستفتاء شعبي (وليس انتخاب حر يقوم علي التعددية) ليحصل علي 99.9% ويالها من نسبة.

وحبا في عبد الناصر صاحب الشخصية الكاريزمية منقطعة النظير تم استفتاء اخر بعد وفاته لتعيين نائبه الذي عينه قبيل وفاته وهو محمد انور السادات والذي تقلد الحكم منذ 1970 وحتي اغتياله عام 1981 ليحل نائبه محمد حسني مبارك رئيسا للجمهورية منذ وقتها وحتي يومنا هذا.

والخلاصة انه سواء قرار تعيين الحاكم المستورد محمد علي او الحكام المحليين السابق ذكرهم لم تكن للشعب المصري ارادته الحقيقية في الاختيار دون ضغوط او انفعالات كاذبة.

ثانيا .. نظام الحكم والحياة الاجتماعية والاقتصادية
بدأ محمد علي حكمه عام 1805 بمذبحه القلعة الشهيرة للقضاء علي المماليك (اصحاب الفضل الاكبر علي العلوم والفنون والعمارة في مصر رغم ظلمهم تعنتهم مع المصريين ابناء البلد) كما هزم محمد علي الانجليز في رشيد عام 1807 وكون اول جيش نظامي في مصر وادخل سياسات تعليمية وتثقيفية وارسل بعثات الي الخارج واستحدث زراعات جديدة كان ابرزها القطن، كما شيد القناطر الخيرية واعتني بانظمة الري والزراعة.

الا ان كل ذلك لم يكن في مصلحة المصريين حيث انتشرت في المقابل السخرة وتحصيل الضرائب والاموال الاميرية ومعاقبة المتهربين، كما ظهر نظام الاحتكار للاراضي والاطيان لصالح اعوانه وحكام الاقاليم، كما كان ينظر محمد علي لمصر علي انها ابعديته الخاصة واصبح الفلاحون سجناء قراهم لا يعادرونها او يسافرون الا بأذن كتابي من الحكومة، كما قضي علي الصناعات الصغيرة لصالح الاحتكار، ووضع مقاليد الحياة الاقتصادية المصرية في يد اليهود والاقباط والارمن كما اعطي حقوق امتلاك المصانع للشوام وبات المصريون اصحاب الارض مجرد خدم مسخرين للحاكم المستورد وعوانه.

اما الحكام المحليين اصحاب النظام الجمهوري فقد قاموا بحركات اصلاحية ولكن في مقابها نجد ايضا كوارث منيت بها مصر وشعبها المسكين، فلن تحمي قوانين الاصلاح الزراعي المباركة في عهد جمال عبد الناصر الملكية الزراعية من التفتت مما اضعف الانتاج، كما لم يتواني السد العالي (رغم فوائده) من سحب الطمية الخصبة من الاراضي التي ادي الفساد في عصري السادات ومبارك الي التعدي عليها ودخول كردونات المباني كالوحش الكاسر للامتداد عليها وتبويرها.

لم تستطيع اشتراكية جمال عبد الناصر ولا انفتاح السادات ولا رأسمالية مبارك من تمكين مصر من التقدم خطوة واحدة الي الامام، ولم يفلح الاتحاد الاشتراكي ولا مجلسي الشعب والشوري من تحقيق الحياة النيابية المرجوة في المراحل الثلاثة منذ 1952 وحتي الان، اما الحياة الحزبية في العصور الثلاثة فلم تفيد الشعب نهائيا فلم تكن الاحزاب الا مباني هيكلية كالمستخدمه في الحروب للتمويه عن الاهداف الحيوية لضربات الطيران المعادية.

لا ينكر احد فضل القرار التاريخي بتاميم شركة قناة السوس عام 1956 في عودة الحق الغائب لكن لا يمكن التغاضي عن العدوان الثلاثي في نفس السنة لولا بسالة المقاومة الشعبية في بورسعيد، وعندما قمنا بادارتها وبقرار هستيري غير محسوب العواقب تم اغلاق خليج العقبة الذي يشكل الي جانب القناة الرئة والقلب النابض للنقل البحري في الشرق الاوسط مما ادي الي نكسة مصر الشهيرة عام 1967، فضلا عن السجون والمعتقلات التي لم تخل منها مصر طوال تاريخها.

كما لا ينكر احد عظمة انتصار اكتوبر العظيم الذي لم يكن سوي تصحيح لخطأ النكسة التي كانت عظيمة ايضا في تاثيرها علي نفوس المصريين ومما زاد الطين بلة هو معاهدة كامب ديفيد التي يزداد خناقها حول عنق مصر يوما بعد يوم منذ توقيعها وحتي يومنا هذا.

وتتجه مصر الان الي التوريث حيث انه من الواضح فشل النظام الجمهوري مما يشير الي ضرورة الاسراع الي عودة الوضع الي ما كانت عليه ايام محمد علي باشا المستورد واسرته.

مما سبق يتضح ان الشعب المصري المسكين كان ولا يزال ضحية حكام مستوردين او محليين لا يختلف احد علي تردي الاوضاع وتدنيها علي كافة الاصعدة.

ما الفرق إذن بين المستورد والمحلي ..؟ اعتقد ان الاجابة بداخل كلا منا .. فلتبقي بداخله وليقضي الله امرا كان مفعولا.





No comments: